أشهر علماء القرآن والقراءات: من أُبيّ بن كعب رضي الله عنه إلى يومنا هذا
لم يصل القرآن إلينا صحفًا مكتوبة فحسب، بل وصل بالتلقّي والمشافهة: قارئٌ عن قارئ، وشيخٌ عن شيخ، حتى يتصل السند إلى رسول الله ﷺ. وهذه جولة سريعة مع أشهر الأعلام الذين حملوا القرآن وقراءاته عبر القرون، مرتّبين بحسب العصور، من جيل الصحابة إلى زماننا.
أولًا: الصحابة رضي الله عنهم
أخذوا القرآن من فم النبي ﷺ، وكان منهم من عرضه عليه كاملًا وحفظه في عهده. قال ﷺ: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل» (متفق عليه).
- أُبيّ بن كعب رضي الله عنهسيّد القرّاءقال النبي ﷺ: «وأقرؤهم لكتاب الله أُبيّ» (رواه ابن حبان والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح)، وقال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» (متفق عليه). وكان ممن حفظ القرآن كاملًا في حياة النبي ﷺ.
- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ت 32هـ)من كبار المقرئينتلقّى القرآن من فم النبي ﷺ وأخذ منه بضعًا وسبعين سورة، وانتشر علمه بالكوفة، وتخرّج عليه كثير من أئمة القراء بعده.
- زيد بن ثابت رضي الله عنه (ت نحو 45هـ)كاتب الوحي وجامع القرآنكلّفه أبو بكر بجمع القرآن في الصحف، ثم كلّفه عثمان بنسخ المصاحف، فكان له الفضل الأكبر في حفظ الرسم العثماني الذي بين أيدينا.
- عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهماالخليفتان القارئانعثمان جمع الناس على المصحف الإمام، وعليّ أقرأ أهل الكوفة، ومنهما أخذ أبو عبد الرحمن السلمي.
- أبو موسى الأشعري وأبو الدرداء رضي الله عنهمامعلّما البصرة والشامأبو موسى علّم أهل البصرة القرآن، وأبو الدرداء كان يقرئ الناس في دمشق في حلقات عظيمة.
- عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (ت 68هـ)ترجمان القرآندعا له النبي ﷺ: «اللهم علّمه الكتاب»، فصار إمام التفسير وعنه أخذ تلامذة مكة.
ثانيًا: التابعون ومن بعدهم
تلقّوا القرآن عن الصحابة، وتفرّقوا في الأمصار يعلّمون الناس، فنشأت المدارس القرائية الكبرى في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام.
- أبو عبد الرحمن السلمي (ت أواخر القرن الأول)شيخ مقرئي الكوفةقرأ على عثمان وعلي وابن مسعود، وأقرأ الناس في الكوفة أكثر من أربعين سنة، وعليه قرأ عاصم بن أبي النجود. وتُذكر وفاته بين سنة 73 و80هـ على خلاف.
- سعيد بن جبير (ت 95هـ)تلميذ ابن عباسمن كبار التابعين علمًا وتفسيرًا وقراءة، استُشهد على يد الحجّاج.
- مجاهد بن جبر المكي (ت نحو 104هـ)إمام التفسير والقراءة بمكةعرض القرآن على ابن عباس، ويُروى أنه عرضه عليه ثلاثين عرضة.
- أبو العالية الرياحي (ت نحو 90هـ)من علماء البصرة بالقرآنأدرك زمن النبي ﷺ ولم يلقه، وأسلم في خلافة أبي بكر، وروى عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم.
ثالثًا: أئمة القراءات العشر
في القرنين الثاني والثالث الهجريين اشتهر عشرة أئمة تواترت قراءاتهم، ولكل إمام راويان. وهؤلاء الأئمة هم:
وللتفصيل في نبذة كل قارئ وأصول قراءته اقرأ مقالنا: القراءات العشر ورواتها من طريقي الشاطبية والدرة.
رابعًا: أئمة التصنيف والتحرير
بعد استقرار القراءات جاء علماء دوّنوها وحرّروا أسانيدها ونظموا أصولها، فصاغوا العلم في كتب ومنظومات لا يزال الطلاب يحفظونها إلى اليوم.
- أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت 224هـ)من أئمة اللغة والقراءاتألّف كتابًا في القراءات، وله «الغريب المصنَّف» في الألفاظ الغريبة.
- ابن مجاهد (ت 324هـ)صاحب «السبعة»اختار سبعة من أئمة الأمصار وصنّف «كتاب السبعة في القراءات»، فاشتهرت بعده القراءات السبع.
- مكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ)صاحب «التبصرة» و«الكشف»قيرواني المولد انتقل إلى الأندلس، وألّف في القراءات ووجوهها.
- أبو عمرو الداني (ت 444هـ)شيخ مقرئي الأندلسصاحب «التيسير في القراءات السبع» و«جامع البيان»، وعلى «التيسير» نظم الشاطبي قصيدته.
- الإمام الشاطبي (ت 590هـ)صاحب «حرز الأماني»نظم «التيسير» في قصيدته المشهورة «الشاطبية» في القراءات السبع، وصارت عمدة المقرئين.
- السخاوي (ت 643هـ)صاحب «جمال القرّاء»صاحب كتاب «جمال القرّاء وكمال الإقراء» في علوم القرآن والقراءات.
- ابن الجزري (ت 833هـ)إمام القراء في عصرهصاحب «النشر في القراءات العشر» و«طيبة النشر» و«الدرة المضية» و«المقدمة الجزرية» في التجويد، وهي من أشهر ما صُنّف في القراءات العشر والتجويد.
- الزركشي (ت 794هـ) والسيوطي (ت 911هـ)في علوم القرآنصنّف الزركشي «البرهان في علوم القرآن»، وألّف السيوطي «الإتقان في علوم القرآن» جامعًا لأنواع علومه.
- القسطلاني والدمياطي البنّافي توجيه القراءاتألّف القسطلاني «لطائف الإشارات»، وألّف الدمياطي «إتحاف فضلاء البشر» في القراءات الأربع عشرة.
خامسًا: العصر الحديث
في القرن الماضي انتقل علم القراءات من الحلقات إلى المقارئ والمعاهد والمجامع، وسُجّلت التلاوات المرتّلة، وطُبعت المصاحف المتقنة، دون أن ينقطع السند المتصل.
- الشيخ علي بن محمد الضبّاع (ت 1376هـ)شيخ المقارئ المصريةله «الإضاءة في بيان أصول القراءة» و«صريح النص»، وتولّى مشيخة عموم المقارئ المصرية، وصنّف أكثر من سبعين كتابًا في القراءات والرسم والضبط.
- الشيخ محمود خليل الحصري (ت 1401هـ)من أشهر قرّاء العصررئيس نقابة القراء بمصر، ومن أوائل من سجّل المصحف المرتّل برواية حفص، وسجّل كذلك برواية ورش، فنفع بتسجيلاته أجيالًا. وأوصى بثلث ماله لخدمة القرآن.
- الشيخ عبد الفتاح القاضي (ت 1403هـ)من كبار علماء القراءات المعاصرينرئيس قسم القراءات بكلية القرآن الكريم في المدينة المنورة، وصاحب «البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة»، وهو من أشهر ما يُدرَّس اليوم.
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورةخدمة القرآن مطبوعًا ومسجّلًاافتُتح سنة 1405هـ (وُضع حجر أساسه سنة 1403هـ)، ويضم علماء متخصصين في علوم المصحف، ويُصدر ملايين النسخ ويترجم معاني القرآن إلى لغات متعددة.
ولا تزال الأمة بخير ما دام فيها من يتلقّى القرآن بالسند ويعلّمه. ففي كل بلد اليوم شيوخ ومقرئون حملوا الإجازات المتصلة، وأخذوا القراءات من أفواه الشيوخ جيلًا بعد جيل.
ماذا نتعلّم من سِيَر هؤلاء الأعلام؟
- أن القرآن يُؤخذ بالتلقّي من أهل الإتقان، لا من الصحف وحدها.
- أن العلم يحتاج صبرًا طويلًا ورحلة وملازمة للشيخ.
- أن الإسناد المتصل نعمة، ومن حَمَلَه فعليه أمانة التعليم.
- أن لكل جيل من القراء فضلًا في حفظ كتاب الله، فالدين يُحفظ بجهود مجتمعة.
المصادر: صحيح البخاري ومسلم، وصحيح ابن حبان، و«البدور الزاهرة» لعبد الفتاح القاضي (القراء العشرة ورواتهم)، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي، وموسوعة التراجم، وسعوديبيديا (مجمع الملك فهد).
كن حلقة جديدة في سلسلة التلقّي
ندرس معك القرآن بالتلقّي والتجويد والمراجعة، ونرافقك في الإجازة بالسند المتصل، وأول حلقة مجانية بدون أي التزام.